محمد أبو زهرة

4516

زهرة التفاسير

وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) . هذا تأديب من اللّه تعالى ، ولكيلا يفتات إنسان على اللّه تعالى فيتوهّم أنه قادر مسيطر على ما يفعل ، وأنه يفعل ما يريد شاءه أو لم يشأه سبحانه ، وهو المالك لكل شئ الذي يشاء ويختار وحده ، ولا خيرة لغيره في أمر خيرة مطلقة ، إنما هي مقيدة دائما في حدود ما يشاء اللّه سبحانه قال : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ النهى موجه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وموجه من بعده للمؤمنين بالأولى ؛ لأن النهى له نهى لغيره ، ولأن النهى له حيث لا يترقب منه الافتيات على اللّه يكون نهيا لغيره بالأولى ، إذ النهى عن أمر مترقب الوقوع يكون أقوى من النهى غير المتوقع ، وقد أكد سبحانه النهى بنون التوكيد الثقيلة ، والنهى عن القول أي الاعتزام على العمل من غير تفويض ، والإصرار من غير تعليق على مشيئة اللّه . وذكر الغد للإشارة إلى الإصرار ؛ لأن تعيين الزمان دليل على العزم والإصرار ، فإن الغيب في علم اللّه وقدرته ، وقد يكون فيه ما لا يمكن معه العمل ، وليست إرادة اللّه في إرادته إنما إرادته هو في إرادة اللّه تعالى ، فما لا يريده اللّه لا يقع أبدا ، ولذا كان لا بد من تعليق التنفيذ على مشيئة اللّه تعالى والتوكل عليه ؛ ولذلك كان الاستثناء إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، ( أن ) وما بعدها مصدر منسبك ، وهو في موضع الجر بالباء ، وتحذف كثيرا قبل المصدر المنسبك منها ومما بعدها ، ويكون التخريج على ذلك ، ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا بمشيئة اللّه بأن تقول معلقا عزمتك على قولك إن شاء اللّه . وهنا أمران بيانيان : الأمر الأول - أن اللام في قوله تعالى : لِشَيْءٍ معناها لعمل شئ وبعض المفسرين قال إن ( اللام ) بمعنى في .